أحمد بن محمود السيواسي
313
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
يدبون ، وهو منقول عن أهل التفسير « 1 » أو بيان لما في الأرض إن لم يقدر ذلك في السماء ، قوله ( وَالْمَلائِكَةُ ) عطف على « ما فِي السَّماواتِ » مع أنهم من جملة ما فيها تشريفا لهم ورفعا لشأنهم ، وقيل : أراد « وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ » من الملائكة وما في الأرض من دابة ويسجد الملائكة « 2 » ( وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) [ 49 ] أي لا يتعظون عن السجود للّه تعالى . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 50 ] يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 50 ) ( يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ) أي عاليا عليهم بالاطلاع على حالهم ويقهرهم بالأمر والنهي ف « مِنْ فَوْقِهِمْ » يتعلق ب « رَبَّهُمْ » حالا منه ، ويجوز أن يتعلق ب « يَخافُونَ » ، فمعناه : يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم ، والجملة حال لبيان نفي الاستكبار ، لأن من يخاف اللّه لا يستكبر عن السجود له ( وَيَفْعَلُونَ ) أي الملائكة ( ما يُؤْمَرُونَ ) [ 50 ] به ، أي لا يعصون أمره تعالى طرفة عين ، وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد وبأنهم بين الخوف والرجاء كسائر المكلفين . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 51 ] وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 51 ) قوله ( وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ) نزل حين وصف طائفة اللّه باثنين ، أحدهما نفسه والثاني الصنم فنهاهم اللّه عن ذلك « 3 » ، فقال لا تصفوه إلهين اثنين وأكذبهم بقوله ( إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ) أي ليس هو إلا إله واحد لا اثنان ، وإنما جمع بين العدد والمعدود هنا ، وهو انما يكون فيما وراء الواحد والاثنين لعدم الاحتمال فيهما ، فلا يقال جاءني رجل واحد ولا رجلان اثنان ، وإنما يقال عندي رجال ثلاثة أو أربعة ليدل على أن المقصود من المعدود المذكور هو العدد ، فيكون « اثْنَيْنِ » تأكيدا ل « إِلهَيْنِ » ، لأن « إِلهَيْنِ » يدل على شيئين الجنسية والعدد ، والغرض من ذكره بالنهي هو العدد لا الجنسية فشفع بما يؤكده ، ألا ترى أنه لو قال في الكلام الثاني إنما هو إله ولم يؤكده بواحد لم يحسن ، لأنه يخيل المخاطب أنه يثبت الإلهية لا الواحدانية ( فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) [ 51 ] أي اخشوني ووحدوني ولا تشركوا بي شيئا ، وفيه نقل من الغيبة إلى التكلم ليكون أبلغ في الترهيب من قوله « فاياه فرهبوا » . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 52 ] وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ( 52 ) ( وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ ) من الملائكة ( وَالْأَرْضِ ) من الجن والإنس وغيرهما ، كلهم عبيده ينقادون له ( وَلَهُ الدِّينُ واصِباً ) أي للّه الإسلام أو الطاعة دائما أو واجبا ثابتا ، المعني : أن الطاعة ثابتة تدوم له ، لا يجوز لأحد أن يميل عنها ، والوصب التعب ، ونصبه حال عمل فيه الظرف ( أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ) [ 52 ] أي أتعرضون عنه فتعبدون غيره وتطيقون . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 53 ] وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ( 53 ) قوله ( وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ ) خطاب عام للكفرة لا للمشركين خاصة ، أي والحال أن الذي بكم من غنا وصحة الجسم ( فَمِنَ اللَّهِ ) أي من قبله لا من غيره ( ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ ) أي الفقر والقحط والمرض ( فَإِلَيْهِ ) أي فإلى اللّه ( تَجْئَرُونَ ) [ 53 ] أي تتضرعون أو ترفعون أصواتكم بالدعاء والاستغاثة ليكشف عنكم الضر لا إلى غيره لعلمكم أن الغير عاجز عن ذلك . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 54 ] ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 54 ) ( ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ ) بقولكم ربنا اكشف عنا العذاب أنا مؤمنون ( إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ ) وهم المنافقون والكافرون ( بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) [ 54 ] بعبادة غيره .
--> ( 1 ) انظر السمرقندي ، 2 / 237 ؛ والبغوي ، 3 / 430 ؛ والكشاف ، 3 / 150 . ( 2 ) اختصره من السمرقندي ، 2 / 237 - 238 . ( 3 ) نقله المصنف عن السمرقندي ، 2 / 238 .